الخلاصات:
تدوينات
تعليقات

 

يقولون لي : أنتِ تمررين حبل الحكاية طويلاً على عمودك الفقري ، إنتبهي ربما يقصم ذلك  ظهركِ قريباً ، لم يعد عندي متسعٌ للتفكير حتى بهذا الأمر ولم يعد يهمني إن كنت سأقف أو أبقى جالسة أو حتى أتحرك إلى الأمام أو أتمدد إلى آخر العمر الممر في رأسي الأن موحش جداً وأنا أفكر فقط برحمي ، بنجد الطفلة الصغيرة التي زرعتها مؤخراً هنالك وأخبرتها أنّ هذه الظلمة لن تطول ، وأنني سأتدارك خوفها قريباً وأضمها إلى قلبي ، أكره يا نجد أن لا أفي بوعودي وإن أطلتِ البقاء هناك فسامحي ضعفي ، ربما أراد لك الرب أن تولدي خلاف أطفال الدنيا كأن تولدين في خمسة عشر شهراً أو حتى عشرون أو ربما يقتلك الخوف هناك وتخرجي منّي مُجبرة . صِدقاً  أنا لا أعلم ما يخبئه الغيب لي ، فأغفري يا حُلمي .

كنتُ أفكر البارحة  في أنني سألزم الصمت ، وأتأمل الحياة بكل حركتها العنيفة والبسيطة والمضحكة والمبكية والمفرحة والمحزنة سأنظر إليها بكل طيبتي ، وأرى ما تحولني إليه ربما أصل إلى ما أريد ، وربما يتأكل داخلي قبل ذلك ، ربما تُصيّرني الصُدفة لأشياء أحبها أو حتى أكرهها .. لكنّ ألله يبعث لي دائماً حُسون الصديقة التي أول ما تسأل عند إتصالها بي هو حلمي هل تحقق أم لا و لأني أحب هذا الحلم أكون سعيدة  جداً بسؤالها هذا أياً كانت إجابته .. أعطتني جرعة جيدة لـ أقف  بها ومعها من جديد و أهتدي بنقاطها بعد ألله إلى ما أحب ،تحدثَت  كثيراً ، و سأقولها ولا فخر في ذلك ، عندما تتحدث حسون فهذا يعني أنّ في كل كلمة أو جملة تقولها فائدة وروحانية عجيبة . نبهتني إلى أنني مازلت حية وأنني أتنفس ولكن علي قبل ذلك أن أختار الطريقة التي سأتنفس بها ، و أن لا أحمل هم الأوكسجين فهو باقٍ بـ  رمز ورقم ذريّ واحد و لن يتغير .

الصداقة والحُلم جميعها تعني أنني لم أمُت جيداً كما ظننت .

1430/5/9

محمد يحول من مستشفى مدينته الصغيرة التي لا تملك وقتاً لأن تبيد الباعوض عن بياض أسرتها إلى مستشفى الملك عبد العزيز الذي يضم الغربان على أوراق شجره بكل رعاية وإهتمام ..

محمد .. في حالة ضيق في التنفس شديد ، وضعف أشد في ضربات القلب ، محمد يلقى بعد سبع ساعات من الإنتظار
في غرفة صغيرة نصف أجهزتها معطلة للأسف .. على إثرها يدخل في غيبوبة

إبن محمد بعد أن يوبخ ويرفع صوته ويبكي قهراً ويمرر مرارة صوته في كل الغرف الإدارية يتوصل إلى رضا بسيط بأن ينقل والده إلى العناية المركزة .

أول يوم هناك كان الجو جداً مختنق ، ثاني يوم أيضاً ثالث يوم للأسف ما زالت أجهزة التكييف لا تعمل بشكل جيد ويستمر ذلك ثلاث أسابيع متواصلة ، محمد يتنفس بكل صعوبة حتى مع أجهزة التنفس الصناعي ، قلة في عدد الممرضين هناك ، إهمال شديد في
العناية بالمرضى والله المعين على الصبر على غلطاتهم المتكرره

اليوم الجمعة ، اليوم سيزور المشفى وزير الصحة على سرير محمد فقط ممرضتين ، عناية فائقة و تنظيم جيد لأوقات الزيارة
الممرات تكاد تخلو من الإزداحام وقت الزيارة ، بجانب الممرضين فتاة يصعب عليها أن ترى محمد أباها بهذا الحال ، تبكي بحرقة ليس كمثلها شيء وتردد بصبر قليل يا رب

أذنيها تسمع الأن حديث الممرضين وللأسف الأخوة ( سعوديين ):
( تصدق يا أخي أنا كنت في سابع نومه وبالعادة أهرب من مناوبتي وأمررها بطريقتي اليوم نغصوا علي هالمرضى والإداريين منشان الوزير ، اليوم كل أصحابي اللي في حالتي إضطروا إنهم يصلوا صلاة الجمعه في وقتها لأجل حضور الوزير )
وتبدأ القهقهه ،

الفتاة تبكي تتألم تمسح عرقاً من جبينها تعود لخشوعها وتردد يا رب ..
الحرارة شديدة جداً ، في الغرفة ، إبن محمد الذي إعتاد أن يتوسل من أجل والده ، يتوسل الأن في المبنى المجاور للإدارة لتقوم بإصلاح التكييف ولأن الوزير قادم ، مضطرين هم جداً لأن يقاوموا توسله و يخرجوا ما خفي في المستودع من أجهزة تكييف جديدة ليضعوها على أرض الغرفة
سنعمل الأن على تغيير الأجهزة لا تقلق يا إبن محمد تمر ساعة ساعتين ، هاهو الوزير يمرُّ مرورأً سريعاً على غرف بعض المرضى بدون أي مبالة في فحص جميع الغرف وسؤال المرافقين .

يرحل الوزير ، تعود الأجهزة لمستودعها ، تقوم الإدارة بإرضاء ابن محمد ( بمروحة جلاسي ) !
لا عليكم ربما البعض لا يعرفها بهذا الإسم
لكنّها متوفرة جداً في باكستان و أغلب الدول الفقيرة …!!!!
أظن أن محمد خلال غيبوبته كان يشعربمعاناة أولاده من أجل أن يوفروا له حفنة هواء بارد كي يتفس صدره بطريقة أفضل من التي كانت
لذلك توفي في اليوم التالي ، وأسأل الله أن يبدله الفردوس الأعلى ويسقيه من العين التي تسمى فيها سلسبيلا ..
أنا إبنة محمد ، و أستطيع الأن أن أقول بكل ثقه أنني لم أعد أشعر بأي وطنية ، ولم أعد أتباهى لا بيومهم المزعوم ولا بشعاراتهم الرنانه ، ولم أفكّر حتى بأن ألتفت لعودتك يا سلطان .

 

تقولُ لي غداً
تقولُ لي بعدَ غدٍ تقولُ لي بعدَ ساعه تقولُ لي بعد الفجرْ
إلى متى سأنتظرْ ..؟
تتضَاؤلُ أُغنيتي السّعيدة ، تختَفي أحلامِي رُويداً ، رويداً
وأنتَ أنتْ لا تزالُ تُذكرني بـ غدٍ ..
الى متَى سأنتظر .. !

 

أنا أشتاق إليك ، إلى قفزك من حولي ، إلى سكينتي الغريبه في قربك ، إلى بكائي عندما يجبرني الوقت أن أمضي بعيداً عنك في الغربة ، ربما أنك لم تكن تعلم  أنني كنت أقضي الطريقِ في عودتي إلى القرية الصغيرة بالبكاء كنت أبكي بشدة وأخاف أن تلتقط صوتي أذن أحد المتطفلين على حزني ، وحده الليل الذي كنّا نمضيه في السفر كان يواسني بفجره المنتظر .

وحدك الأن تشدُّ آخر طرفٍ للراحة من عيني وتقول لي أنا قادم .

سقطُّت من رحمِ أُمي بجرحٍ كبير لا يضمده سوى صدر ممتلئٌ بكل حنانه
منذ أن خرجت إلى العالم لا أعلم كم يدٍ تلقفتني ، لكنني موقنة جداً بأنّي ومنذ اللحظه الأولى تمنيت ُ لو أنّ نساء العالم كلهِ كن ّأم لي ، تمنيت أن أركض إلى صدورهن المغموره بحنانها الكبير وأدفن فيه بكائي .

حكت لي أختي كيف أني أمضيت الثلاث الليالي وأنا أبكي مع نساء القرية ، لم أكن أتوقف عن البكاء للحظه واحده تقول لي لم نترك مشفى قريب إلا وزرناه خشينا أنك مريضة قلت لها كان هذا فقدي ، فقدي الذي أورث ثقباً في روحي يتفشى منه الحزن والبكاء .

نستطيع أن نكتب أي شيء عن أحزاننا نستطيع نغلف البكاء كـ غشاء يحمي الرئة من أن تتوقف عن تنفسها الطبيعي ،
منذ ثلاثة أعوام وأنا أبكي بقوة ، كانت أمي تسمعُ صُراخ هذا الألم الذي ينفرُ من قلبي بسرعه فائقة إلى أُذنيها وتبكي هي أيضاً

في الحقيقة كلاتا أميّ كانتا تبكيان ..
فحقيقة أن الأموات أيضاً هم يشعرون بكآبة أصدقاءِ دمائهم أنا أيضاً ممن يُصدقها .
ما أود أن أعرفه الأن هو كيف تبكي أمي الميته ..؟ كيف يكون دمع الأموات ..؟ هل تدّس الأرض ماؤها في تربتها وتنبتها في الحياة كـ ورقٍ أصفر ..؟
أمي الأولى تأكل من أرق الليل حتى الفجر ، فيظهرُ خيطه الأبيض على شعرها بسرعة فائقة .
أمي الأخرى تسقي الأرض من تعبي لتقول للدنيا كم هي أم حتّى في مماتها وتستطيع أن تخلقَ لي ورقاً أكتب عليه الأن .

وإن كان أصفر يا أمي
وإن كان ..!

قبل الآن .

كنت سأهبُ نفسي للخوف ، لكنني تراجعتُ أخيراً ..!

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.