محمد يحول من مستشفى مدينته الصغيرة التي لا تملك وقتاً لأن تبيد الباعوض عن بياض أسرتها إلى مستشفى الملك عبد العزيز الذي يضم الغربان على أوراق شجره بكل رعاية وإهتمام ..
محمد .. في حالة ضيق في التنفس شديد ، وضعف أشد في ضربات القلب ، محمد يلقى بعد سبع ساعات من الإنتظار
في غرفة صغيرة نصف أجهزتها معطلة للأسف .. على إثرها يدخل في غيبوبة
إبن محمد بعد أن يوبخ ويرفع صوته ويبكي قهراً ويمرر مرارة صوته في كل الغرف الإدارية يتوصل إلى رضا بسيط بأن ينقل والده إلى العناية المركزة .
أول يوم هناك كان الجو جداً مختنق ، ثاني يوم أيضاً ثالث يوم للأسف ما زالت أجهزة التكييف لا تعمل بشكل جيد ويستمر ذلك ثلاث أسابيع متواصلة ، محمد يتنفس بكل صعوبة حتى مع أجهزة التنفس الصناعي ، قلة في عدد الممرضين هناك ، إهمال شديد في
العناية بالمرضى والله المعين على الصبر على غلطاتهم المتكرره
اليوم الجمعة ، اليوم سيزور المشفى وزير الصحة على سرير محمد فقط ممرضتين ، عناية فائقة و تنظيم جيد لأوقات الزيارة
الممرات تكاد تخلو من الإزداحام وقت الزيارة ، بجانب الممرضين فتاة يصعب عليها أن ترى محمد أباها بهذا الحال ، تبكي بحرقة ليس كمثلها شيء وتردد بصبر قليل يا رب
أذنيها تسمع الأن حديث الممرضين وللأسف الأخوة ( سعوديين ):
( تصدق يا أخي أنا كنت في سابع نومه وبالعادة أهرب من مناوبتي وأمررها بطريقتي اليوم نغصوا علي هالمرضى والإداريين منشان الوزير ، اليوم كل أصحابي اللي في حالتي إضطروا إنهم يصلوا صلاة الجمعه في وقتها لأجل حضور الوزير )
وتبدأ القهقهه ،
الفتاة تبكي تتألم تمسح عرقاً من جبينها تعود لخشوعها وتردد يا رب ..
الحرارة شديدة جداً ، في الغرفة ، إبن محمد الذي إعتاد أن يتوسل من أجل والده ، يتوسل الأن في المبنى المجاور للإدارة لتقوم بإصلاح التكييف ولأن الوزير قادم ، مضطرين هم جداً لأن يقاوموا توسله و يخرجوا ما خفي في المستودع من أجهزة تكييف جديدة ليضعوها على أرض الغرفة
سنعمل الأن على تغيير الأجهزة لا تقلق يا إبن محمد تمر ساعة ساعتين ، هاهو الوزير يمرُّ مرورأً سريعاً على غرف بعض المرضى بدون أي مبالة في فحص جميع الغرف وسؤال المرافقين .
يرحل الوزير ، تعود الأجهزة لمستودعها ، تقوم الإدارة بإرضاء ابن محمد ( بمروحة جلاسي ) !
لا عليكم ربما البعض لا يعرفها بهذا الإسم
لكنّها متوفرة جداً في باكستان و أغلب الدول الفقيرة …!!!!
أظن أن محمد خلال غيبوبته كان يشعربمعاناة أولاده من أجل أن يوفروا له حفنة هواء بارد كي يتفس صدره بطريقة أفضل من التي كانت
لذلك توفي في اليوم التالي ، وأسأل الله أن يبدله الفردوس الأعلى ويسقيه من العين التي تسمى فيها سلسبيلا ..
أنا إبنة محمد ، و أستطيع الأن أن أقول بكل ثقه أنني لم أعد أشعر بأي وطنية ، ولم أعد أتباهى لا بيومهم المزعوم ولا بشعاراتهم الرنانه ، ولم أفكّر حتى بأن ألتفت لعودتك يا سلطان .
